Logo En
الفصول شاهد مراجع تواصلوا معنا

الفصل الثاني

1978 - 1981

صمود في وجه التحديات: تنظيم وتوحيد البندقية فمعركة زحلة

يتناول هذا الفصل مرحلة مفصلية من الحرب اللبنانية، شهدت انتقال العمل المسلح في البيئة المسيحية من التعددية العسكرية والفوضى التنظيمية إلى إطار أكثر مركزية وانضباطاً تمثل في نشوء القوات اللبنانية. يركّز الفصل على الظروف التي رافقت انهيار الدولة اللبنانية، وتفكك السلطة المركزية، وتمدّد السلاح الفلسطيني، وما فرضه ذلك من محاولات لبنانية لتنظيم الدفاع الذاتي ضمن بنية موحدة. كما يتناول مسار توحيد التنظيمات العسكرية، ودور مجلس القيادة المشتركة، ومعركة تل الزعتر كنقطة تحوّل في هذا المسار والذي انتهى الى تحقيق هذا الهدف. ضمن هذا السياق، تُعرض معركة زحلة عام 1981 لا كحدث منفصل، بل كأول اختبار واسع النطاق للتنظيم الجديد، وكحلقة مركزية في الصراع على القرار والسيادة في ظل غياب الدولة.

يتمهيد: يقدّم موقع "القضية اللبنانية" قراءة تحليلية لتاريخ لبنان المعاصر، انطلاقاً من فهم الحرب اللبنانية بوصفها نتاج انهيار الدولة وتداخل العوامل الداخلية والخارجية، لا مجرد صراع طائفي أو أهلي. في هذا الإطار، يركّز الفصل الثاني على مرحلة تأسيسية في مسار الحرب، شهدت نشوء القوات اللبنانية كتنظيم عسكري–سياسي، ومحاولة توحيد السلاح وضبط القرار في بيئة أنهكها التشرذم والاقتتال. يعالج الفصل مسار الانتقال من تعدد التنظيمات العسكرية إلى العمل المنظم، ودور مجلس القيادة، ومعركة تل الزعتر، ثم معركة زحلة كنقطة اختبار حاسمة لهذا المسار. يهدف هذا الفصل إلى مساعدة الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة على معرفة الظروف التي دفعت الى قيام هذا التنظيم، ولماذا ارتبطت معاركه باستعادة الدولة والسيادة، وما الذي تركته تلك التجربة من أثر مستمر في الواقع اللبناني.

نشوء القوات اللبنانية وتنظيمها: الإطار الذي سبق معركة زحلة

نشأت القوات اللبنانية لحظة الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة اللبنانية العسكرية والسياسة بفعل الاحتلالات المتعددة. منذ منتصف السبعينات، ومع تصاعد العنف المسلح، غابت السلطة المركزية، وتراجعت قدرة الحكومة على القيام بوظائفها الأساسية، لا سيما في ما يتعلق بالأمن وحماية المواطنين. هذا الفراغ أدّى إلى تفكك البنية الأمنية وانتشار الميليشيات، وتحول مناطق واسعة من لبنان إلى ساحات نفوذ لقوى مسلحة متعددة، لكل منها قيادتها وخططها ومصالحها الخاصة ذات مشاريع مرتبطة بأجندات اقليمية. اذا نشأت القوات اللبنانية أولاً كردّة فعل على أخطار ميدانية متزايدة، خصوصاً في المناطق المسيحية، التي باتت تواجه تهديدات مباشرة نتيجة تمدد الفصائل الفلسطينية المسلحة وتحركاتها العسكرية داخل الأحياء السكنية وعلى خطوط التماس. منذ البداية، قامت القوات اللبنانية على حتمية التنظيم والانضباط. فهي لم تتشكل كجيش محترف بالمعنى التقليدي، بل على مدنيين، هم أفراد يشغلون وظائف مدنية أو طلاب مدارس وجامعات، ويشاركون في القتال في الوقت نفسه. هذا الطابع المدني فرض منذ نشأته تحدياً إضافياً، إذ كان لا بد من إيجاد إطار تنظيمي صارم يمنع العشوائية ويحدّ من العمل الفردي. اعتمدت القوات اللبنانية هرمية قيادية تقوم على مستويين: المستوى الأول هو القيادة السياسية، التي تمثلت بالجبهة اللبنانية، والتي حدّدت الخطوط السياسية العامة وتدخلت في القرارات المصيرية، خصوصاً في مرحلة التأسيس. المستوى الثاني هو القيادة العسكرية، التي تمثلت بمجلس القيادة، وهو الهيئة العليا في القوات اللبنانية، ويتألف من القائد العام ونائبه وهيئة الأركان العامة ومهامها الرئيسية حماية المناطق الحرة والاستعداد لتحرير سائر المناطق المحتلة فيما ترك دور حماية الامن الداخلي والقضاء وادارات الجولة المدنية للمرجعيات الرسمية المختصة. هذا التطور لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل عكس توجهاً واضحاً نحو تحويل العمل المسلح من ردود فعل متفرقة إلى قدرة منظمة خاصة مع افول إمكانية حل للازمة اللبنانية. وفي تموز 1981، بدأ تطبيق نظام الخدمة العسكرية، يقوم على برنامج تدريبي طويل الأمد يبدأ في الصفوف الثانوية خلال العطلات الأسبوعية والإجازة الصيفية، ثم ينتقل إلى مراحل تدريب أساسي وتخصصي وخدمة عسكرية فعلية. ..... على المستوى الاجتماعي، ضمّت القوات اللبنانية محامين ومهندسين وطلاباً. سياسياً، شكّلت الجبهة اللبنانية المرجعية التي وجّهت العمل السياسي. فقد ضمّت زعماء الأحزاب التاريخيين ورؤساء التنظيمات المسيحية، ومفكرين ورجال دين. غير أن هذا التداخل بين السياسي والعسكري لم يكن ثابتاً، إذ عُدّل تشكيل الجبهة عام 1977، لتقتصر على القيادات السياسية المدنية، فيما انتظم القادة العسكريون ضمن مجلس قيادة مشتركة، يحضر اجتماعات الجبهة عند مناقشة المسائل العسكرية. إحدى المحطات المفصلية في مسار القوات اللبنانية كانت معركة تل الزعتر. فوجود المخيم في عمق المناطق الشرقية المسيحية، وتمدد عناصره المسلحة في الدكوانة ومحيطها وعلى طريق المونتيفردي، شكّل خطراً مباشراً على الخطوط الخلفية لتلك المناطق. وقد سبق اندلاع الحرب أن وقعت تجاوزات عديدة لعناصر المخيم داخل هذه المناطق، ما أدى إلى تصاعد التوتر والصدام مع سكان تلك المناطق والقوى اللبنانية المسلحة. كما ارتبط مخيم تل الزعتر بأحداث مفصلية في بداية الحرب، إذ تشير المعطيات إلى أن شرارة حرب السنتين انطلقت بعد إطلاق نار من مجموعة من المخيم على احتفال في عين الرمانة، تلتها حادثة البوسطة الشهيرة. إضافة إلى ذلك، أدى الصراع مع المخيم إلى استشهاد قائد القوات الكتائبية يومها وليم حاوي، ما ترك أثراً عميقاً في مسار القيادة العسكرية. بعد استشهاد حاوي، تولّى الشيخ الشاب بشير الجميل قيادة القوى النظامية الكتائبية، ووجد نفسه أمام واقع عسكري شديد التعقيد. فقد كانت المجموعات المسلحة المسيحية تفتقر إلى التنسيق، ولكل منها خطتها وقيادتها المستقلة، ما جعلها عاجزة عن خوض معارك طويلة أو منظمة رغم الانتصار في معركة تل الزعتر، ولكن بكلفة مرتفعة جدا. هذا الواقع فرض ضرورة الانتقال من التعددية العسكرية إلى العمل تحت قيادة مشتركة. من هنا، تشكّلت القيادة التي عُرفت باسم “مجلس القيادة المشتركة”، وانتُخب بشير الجميل قائداً لها. وخلال معركة تل الزعتر، فرضت هذه القيادة نفسها نتيجة الظروف الميدانية، ونجحت في توحيد قوى عسكرية متعددة، أبرزها الكتائب والتنظيم وحراس الأرز والأحرار. وكان العامل الأساسي الذي وحّد هذه القوى هو إدراكها المشترك أن العمل المنفرد سيؤدي إلى القضاء عليها واحدة تلو الأخرى. لم يقتصر التوحيد على البندقية، بل وجهة استعمالها والتثقيف السياسي والتوعية على القضية اللبنانية. فقد التقت هذه التنظيمات حول هدف واحد مشترك، هو ما اعتبرته تحرير لبنان من الاحتلال الفلسطيني وردّ الهجمة اليسارية المتحالفة مع القوى الفلسطينية وسائر التنظيمات، العاملة ضمن ما سُمّي “القوات المشتركة”. هذا التلاقي وفّر أساساً سياسياً سمح بانتقال القوات اللبنانية من حالة تنسيق ظرفي إلى إطار عسكري منظم هدفه تحرير لبنان من الجيوش الاجنبية. في عام 1979، بدأ مجلس القيادة المشتركة بتكوين تشكيلات عسكرية منفصلة ومميزة عن الميليشيات الحزبية التقليدية، تكون مسؤولة أمامه مباشرة. غير أن عملية الاندماج لم تخلُ من الصعوبات. ففي 7 تموز 1980، اجتاحت القوى النظامية الكتائبية المواقع العسكرية لحزب الوطنيين الأحرار، المعروفة باسم “نمور الاحرار”. على اثر هذه العملية، وبتوجيه من الرئيس كميل شمعون، الذي اعلن انتهاء عصر فوضى السلاح، ونهاية الاستقلال الذاتي للتنظيمات العسكرية المسيحية، بدأت مرحلة جديدة من العمل العسكري الموحد، ضمن اطار" القوات اللبنانية". مع هذه التطورات، أصبح واضحاً أن الأحزاب والجهات التي شكّلت القوات اللبنانية فقدت هيكليتها العسكرية المستقلة، وأن أي معارضة لعملية التوحيد لم يعد لها سوى خيارين: إما طلب الحماية السورية، وإما الانضمام إلى المسار الجديد والانصهار في القوات اللبنانية، كما فعل الرئيس كميل شمعون. بهذا المعنى، لم تكن معركة زحلة التي اندلعت عام 1981 حدثاً مفاجئاً أو منفصلاً عن السياق العام، بل شكّلت أول اختبار واسع النطاق لهذا التنظيم الموحد. فالصمود في زحلة لم يكن نتاج بطولة الأهالي في زحلة ومبادرات فردية فقط، بل نتيجة مباشرة لمسار تنظيمي بدأ قبل سنوات، هدفه الانتقال من فوضى السلاح إلى بنية منضبطة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وهكذا، يشكّل فهم نشوء القوات اللبنانية وتنظيمها شرطاً أساسياً لفهم معركة زحلة نفسها. فالمعركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل تجسيداً عملياً لمسعى لبناني حاول، في ظل غياب الدولة، أن يعيد تعريف معنى التنظيم والقرار والسيادة وحق الدفاع عن الوجود، ولو ضمن ظروف قاسية ومتناقضة.

القسم الثاني: معركة زحلة 1981

لم تكن معركة زحلة التي اندلعت عام 1981 حدثاً عسكرياً معزولاً في سياق الحرب اللبنانية، بل شكّلت واحدة من أكثر المحطات دلالة على طبيعة الصراع الذي شهده لبنان منذ منتصف السبعينات. فبعيداً عن الصورة الشائعة التي تختزل الحرب اللبنانية في كونها نزاعاً أهلياً بين طوائف، تكشف معركة زحلة عن صراع أعمق تمحور على تقاطع الصراعات الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية وحول مسألة السيادة، وحدود الدولة، ومن يملك القرار الأمني والعسكري على الأرض اللبنانية. لفهم ما جرى في زحلة، لا بد من العودة إلى الخلفية العامة للحرب. فمنذ نيسان 1975، ومع حادثة بوسطة عين الرمانة، بدأ الانهيار التدريجي لمؤسسات الدولة اللبنانية. تفكك الجيش، وغابت السلطة المركزية، وتحولت مناطق واسعة من البلاد إلى ساحات نفوذ لفصائل فلسطينية مسلّحة وتنظيمات محلية متنازعة مثل الحركة الوطنية وغيرها. وفي عام 1976 دخلت القوات السورية إلى لبنان تحت مسمى “قوات الردع العربية”، لكن وجودها سرعان ما تجاوز الإطار المعلن، ليتحول إلى وصاية سياسية وشبه عسكرية مباشرة على القرار اللبناني. في هذا المناخ، برزت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصاً في المناطق المسيحية، قناعة بأن غياب الدولة لم يعد مجرد خلل إداري، بل بات تهديداً وجودياً. ومن هنا نشأت فكرة تنظيم دفاعي لبناني يملأ الفراغ الأمني ويمنع انهيار المجتمع تحت وطأة الفوضى. من رحم عدة تنظيمات مسلحة، أبرزها الكتائب ونمور الأحرار وحراس الأرز والتنظيم، تبلورت “القوات اللبنانية” كإطار يهدف إلى توحيد السلاح وضبطه، لا إلى تكريس منطق الميليشيات، بل للدفاع عن الوجود. بين عامي 1978 و1980، قاد بشير الجميّل عملية إعادة تنظيم شاملة داخل هذا الإطار الناشئ. سعى إلى إنهاء التعددية العسكرية داخل البيئة المسيحية، وفرض وحدة القرار والانضباط، معتبراً أن الفوضى المسلحة لا تقل خطراً عن الاعتداء الخارجي. لم يكن الهدف إقامة كيان موازٍ للدولة، بل إنشاء قوة منضبطة قادرة على الصمود والدفاع بانتظار عودة الدولة نفسها. في هذا السياق، رُفع شعار “بندقية واحدة، قرار واحد” كعنوان لمرحلة جديدة في العمل العسكري والسياسي رغم التكلفة الكبيرة المؤلمة التي نتجت عن هذا القرار. ضمن هذا المشهد، احتلت زحلة موقعاً بالغ الحساسية. فهي أكبر مدينة مسيحية في البقاع، وتقع على عقدة جغرافية تربط بيروت بالبقاع وبالحدود السورية. السيطرة عليها كانت تعني عملياً إحكام الطوق على المناطق التي ما زالت خارج الهيمنة السورية الكاملة. منذ أواخر عام 1980، بدأت مؤشرات الاستهداف السوري تتكثف، مع اغتيال المفوض العسكري جورج يوسف سعادة، ثم اغتيال فوزي خراقة، وتكرار الاشتباكات داخل المدينة ومحيطها. ترافق ذلك مع تمدد مجموعات مسلّحة مرتبطة بالفلسطينيين واتخاذها مواقع قتالية في نقاط حساسة. في كانون الأول 1980، انفجر الوضع بشكل واسع، وبدأ حصار فعلي للمدينة. ومع حلول نيسان 1981، تحوّل التوتر إلى معركة مفتوحة. استخدمت القوات السورية المدفعية الثقيلة والدبابات والطيران الحربي، فيما واجهها أهالي زحلة ومجموعة صغيرة مركزية من القوات اللبنانية لا تتعدى 100 (المئة) مقاتل وبإمكانات محدودة. سقط خلال الأيام الأولى عشرات القتلى ومئات الجرحى، وتعرضت أحياء سكنية كاملة للتدمير. ورغم ذلك، استمر الصمود، في مشهد عكس اختلالاً صارخاً في ميزان القوى، لكنه كشف في الوقت نفسه عن حجم الرهان السياسي على كسر إرادة المدينة والمقاومة اللبنانية. لم يكن موقف زحلة، ولا القوى المدافعة عنها، موجهاً ضد فكرة الدولة اللبنانية. على العكس، طالب البطريرك الماروني والمطرانية المارونية علناً بدخول الجيش اللبناني إلى المدينة، باعتباره الحل الشرعي الوحيد لإنهاء المجزرة. ونقل الوزير الياس الهراوي موقف الأهالي إلى رئيس الجمهورية الياس سركيس، الذي أبلغ بدوره القيادة السورية بأن الحل لا يكون إلا عبر المؤسسات اللبنانية الشرعية. هذا الموقف يعكس بوضوح أن المعركة لم تكن رفضاً للدولة، بل مطالبة بها في وجه من صادر قرارها. في ذروة الحصار، أرسل بشير الجميّل رسالة حاسمة إلى قيادة المجموعة المركزي من القوات المتواجدة في زحلة، خيّرهم فيها بين الانسحاب حفاظاً على الأرواح أو البقاء وتحمل تبعات الحصار الكامل، من دون ذخيرة أو دواء أو إمدادات. غير أن الرسالة ختمت بجملة ستبقى محفورة في الذاكرة السياسية اللبنانية: “الأبطال يموتون ولا يستسلمون”. القرار كان البقاء، لا بدافع المغامرة، بل انطلاقاً من قناعة بأن سقوط زحلة سيعني احتلالا لمدينة مسيحية تاريخية وخسارة كبيرة للمقاومة اللبنانية وأي إمكانية لبقاء المدينة تحت سلطة الدولة المنشودة. لم يقتصر المشهد على البعد العسكري. ففي 30 نيسان 1981، عقد اجتماع واسع في المطرانية الكاثوليكية في سيدة النجاة بحضور مطارنة زحلة، صدر عنه بيان شدد على لبنانية المدينة ورفض أي صيغة تمس سيادة لبنان واستقلاله. بالتوازي، شهدت المدينة اعتصامات للرهبان والراهبات، وتضامناً شعبياً واسعاً، ما أضفى على المعركة بعداً مجتمعياً ودينياً تجاوز الحسابات العسكرية الضيقة. بعد ثلاثة أشهر من القتال والحصار، وتحت ضغط سياسي داخلي وخارجي، وبفضل الصمود البطولي للأهالي والمقاتلين تم التوصل في أواخر حزيران 1981 إلى اتفاق قضى بانسحاب القوات العسكرية السورية الخاصة المحيطة بزحلة، وتسليم الطرق الرئيسية للجيش اللبناني، وخروج وحدات القوات اللبنانية من المدينة بإشراف قوى الأمن الداخلي. في 30 حزيران، خرج مجموعة القوات اللبنانية المركزية وعلى راسم المطران جورح اسكندر من زحلة، في مشهد جسّد نهاية واحدة من أعنف معارك الحرب اللبنانية. البعد العسكري. ففي 30 نيسان 1981، عقد اجتماع واسع في المطرانية الكاثوليكية في سيدة النجاة بحضور مطارنة زحلة، صدر عنه بيان شدد على لبنانية المدينة ورفض أي صيغة تمس سيادة لبنان واستقلاله. بالتوازي، شهدت المدينة اعتصامات للرهبان والراهبات، وتضامناً شعبياً واسعاً، ما أضفى على المعركة بعداً مجتمعياً ودينياً تجاوز الحسابات العسكرية الضيقة. بعد ثلاثة أشهر من القتال والحصار، وتحت ضغط سياسي داخلي وخارجي، تم التوصل في أواخر حزيران 1981 إلى اتفاق قضى بانسحاب الوحدات العسكرية الخاصة المحيطة بزحلة، وتسليم الطرق الرئيسية للجيش اللبناني، وخروج وحدات القوات اللبنانية من المدينة بإشراف قوى الأمن الداخلي. في 30 حزيران، خرج عشرات المقاتلين من زحلة مع الأهالي، في مشهد جسّد نهاية واحدة من أعنف معارك الحرب اللبنانية.




Subtitle: نظّمت منظمة التحرير الفلسطينية تظاهرة مؤيّدة لآية الله الخميني في شوارع بيروت

Subtitle: تصاعد التوتر السياسي: في 18 كانون الثاني، أعلن الرائد سعد حداد قيام "دولة لبنان الحرّ" ومنع الجيش اللبناني من دخول المنطقة. وفي 23 شباط 1979، تحدث بشير الجميل للمرة الأولى علناً عن "الاحتلال السوري". ازداد الأمر تعقيداً في 11 نيسان حين أعلن عبد الحليم خدام أن القوات السورية ستبقى في لبنان طالما دعت إلى ذلك المصالح القومية العربية. ثم صبّت إسرائيل الزيت على النار عندما طالب رئيس وزرائها مناحيم بيغن في 17 أيار بانسحاب القوات السورية من لبنان

Subtitle: تحول قوات الردع إلى قوات سورية: انسحبت الوحدات السودانية والسعودية في 6 و 24 آذار 1979، ثم تبعتها الوحدات الإماراتية في 5 أيار. نتيجة لذلك، باتت قوات الردع العربية اعتباراً من النصف الثاني من عام 1979 قوات سورية فقط. في هذا الإطار، استقدمت دمشق 3600 عنصر من جيش التحرير الفلسطيني من سوريا ودفعت بهم للمرابطة على خطوط التماس في بيروت، بينما كانت تجمع قواتها في منطقة البقاع.

Subtitle: محاولات سياسية: عُقدت قمة لبنانية سورية جديدة في 14 أيار1979. تلاها تشكيل حكومة جديدة برئاسة سليم الحص في 16 تموز.

أيار - تموز 1979

Subtitle: استمرار الاشتباكات: طوال عامي 1979 و 1980، استمرت الاشتباكات على حالها بين القوات اللبنانية وقوات الردع، وكانت عنيفة أحياناً ومحدودة أحياناً أخرى، دون أن تتوقف إلا لفترات قصيرة.

Subtitle: أزمة سياسية جديدة: بعد اشتباكات عنيفة في قرية قنات في شباط 1980 أوقعت ستين قتيلاً ، صدرت مقررات وفاقية من 14 بنداً في 5 آذار أرضت دمشق، التي ردت بسحب مواقعها الأخيرة من بيروت الشرقية وتسليمها للجيش اللبناني. ورغم صدور قانون جديد للجيش في 13 آذار، إلا أن الموقف منه ظل منقسماً. أدت المعارضة القوية من الجبهة اللبنانية لبنود الوفاق إلى استقالة رئيس الحكومة سليم الحص في 7 حزيران 1980 ، مما تسبب بأزمة وزارية طويلة انتهت بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شفيق الوزان في 25 تشرين الأول.

Subtitle: "القوات اللبنانية" توحد سيطرتها: في 7 تموز 1980، شنت القوات اللبنانية هجوماً كاسحاً على مواقع ومكاتب ميليشيا الوطنيين الأحرار أوقع 200 قتيل. وفي 26 تشرين الأول، غداة تشكيل حكومة الوزان، اندلعت اشتباكات عنيفة بالمدفعية بين الطرفين مجدداً في عين الرمانة. تدخل الجيش للفصل بينهما في 27 منه، لكنه عاد وانسحب في 31 بعد يوم خامس من القتال، مما أدى إلى سيطرة القوات اللبنانية على المنطقة كلها.

Subtitle: بداية التنظيم العسكري الجدي

آب 1980




من ذاكرة القضية

تقرير

خلاصة:

بالنسبة للقضية اللبنانية، لا تُختزل معركة زحلة في كونها انتصاراً عسكرياً أو سياسيا. أهميتها تكمن في كونها محطة كشفت طبيعة الصراع الحقيقي في لبنان: صراع بين مشروع دولة يسعى إلى استعادة سيادتها، ومشاريع وصاية خارجية تتغذى من انهيار المؤسسات. كما أظهرت أن الدفاع عن منطقة لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة للدفاع عن فكرة لبنان كدولة لا كساحة نفوذ. اليوم، وبعد عقود على تلك الأحداث، تبقى معركة زحلة مادة أساسية لفهم الحرب اللبنانية خارج القوالب الطائفية. فهي تطرح سؤالاً لا يزال مطروحاً حتى الآن: هل يكون حمل السلاح بديلاً عن غياب الدولة، ودفاعا عن الوجود، بانتظار عودتها؟ ضمن هذا الإطار، تندرج زحلة في صلب “القضية اللبنانية” بوصفها تجربة تاريخية تساعد الأجيال الجديدة على فهم كيف ولماذا وصل لبنان إلى ما هو عليه.
المراجع
Kamal S. Salibi
1976
Crossroads to civil war: Lebanon, 1958-1976
The author give a thorough analysis of the series of political conflicts and crises that led to Lebanon's 1975 civil war.
Delmar NY : Caravan Books